كمال اللبواني

متى يموت الأسد ؟

هناك من يتحدث عن بقاء الأسد حتى نهاية ولايته 2021، ثم احتمال أن يجدد أو يحظى بمخرج آمن و لائق ، مع من يريد ، حاملا ما يستطيع من الثروة ، هكذا بكل بساطة … وكأن شيئا لم يحدث في سوريا على يديه ، وكأن سوريا ستعيش حتى ذلك التاريخ ….

طبعا يُقصد من هذا الحديث استفزاز وإغاظة (الشعب السوري) وأسر الضحايا وما أكثرهم ، وإثارة المزيد من مشاعر الإحباط واليأس بهدف القضاء على ما تبقى من روح الثورة لديه … لذلك أكتب هذا المقال لأوضح بدقة أن هذا الولد القاتل لابد أن يقتل ليس فقط لمجرد وجود ملايين الناس الذين يطلبون الثأر منه ، بل أيضا بسبب عوامل وفاعلين آخرين أيضا منهم من هو داعم للأسد ذاته : فالمسألة كما تبدو لي ليست هل سيقتل الأسد أم لا ، بل هي متى سيقتل ومن هي الجهة التي سيسبق توقيتها على غيرها ، فالأسد الولد قد اختار عن عمد واصرار لعبة الموت والإجرام والقتل والتعذيب قبل الثورة ، وأمعن في ارتكاب كل أنواع الجرائم التي تستحق عقاب الموت من دون محاكمة بعدها وبحق كل السوريين وعلى نطاق غير مسبوق …

( الأسد مجرم يستحق الموت ..لكن متى ؟ ) هكذا قال أحد الأمنيين الفاعلين القادرين على تنفيذ ذلك .

… استمرار الأسد في السلطة سالما حتى الآن ليس بسبب عدله أو قوته ولا ذكائه وقوة مخابراته ، بل بسب الحرص عليه من قبل الأطراف القادرة في كل دقيقة على تصفيته ، لكنها تمتنع عن ذلك على مضض عقابا لأعدائه الذين اختاروا عن عمد واصرار ما ينفر العالم منهم ، بل أمعنوا في تحدي الآخر وارهابه في عقر داره . طبعا لا أقصد الشعب السوري ولا الفصائل الصابرة على الجبهات ، بل أصحاب المشاريع الطفولية المغامرة المشبوهة الذين ركبوا قطار الثورة باسم الدين ليمارسوا هوايتهم في التسلط والقتل ويعبروا عن مشاعر الكراهية والحقد تجاه الجميع باسمها واسمه وانطلاقا من الأراضي السورية المحررة من قبضة النظام .

في آذار عام 2006 كان المفترض أن يموت الأسد عقابا على دعمه الإرهاب في العراق وزعزعة استقرار لبنان ، لكن الجانب الإسرائيلي منع ذلك باعتباره الجهة الوحيدة في سوريا القادرة على توقيع السلام معها ، بعدها أرسل الأسد رسائل حسن النية المعروفة ( الوشاية بمفاعل الكبر ، وتصفية عماد مغنية ) وفتح باب التفاوض مع اسرائيل بوساطة عربية تركية فرنسية ، لكنه لم يوقع آي اتفاق عملا بنصيحة والده ( فاوض ولا توقع ) الذي يدرك أن دور نظامه الذي قام على تسليم الجولان ينتهي بتوقيع السلام ، وهكذا وبعد أن فشلت مباحثات السلام الأخيرة بسنتين ، ومع بداية الثورة التي تحولت بسرعة لثورة مسلحة ، سُمِح للأسد باستخدام جيشه في المعركة مع الشعب بهدف تدمير وتقويض هذا الجيش ، وخلال هذه الفترة مُنع أي استهداف لأمن الأسد القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة … دُمرت البلد ودُمر الجيش … ولكن نشأت الميليشيات المتشددة ، وأصبح سقوط الأسد يعني وصولها للسلطة بدلا عنه ، لذلك سُمح للميليشيات الإيرانية بالدخول والقتال لجانبه بحجوم وأعداد مضبوطة حتى لا يسقط نظامه ، (ضمن سياسة استنزاف الخصوم بقتال بعضهم ) .

وبذلك جدد الأسد شحن بطاقة عمره المنتهي أصلا ، وأخذ يدعم وينمي المنظمات الإسلامية المشبوهة ويضخم من قوتها ونفوذها لترتكب المزيد والمزيد من الترهيب الخارجي الذي كان هو من يختار أماكنه ، تبعا لمواقف العواصم منه ، فركز ضربات داعش على فرنسا التي اختصت بالموقف الأكثر رفضا لبقائه .

جدد الأسد شحن بطاقة عمره ( المنتهي افتراضا بعد القذافي ) بالقتل والإرهاب الخارجي بعد أن شحنها بالقتل والإرهاب الداخلي … لذلك قد يستمر نظريا طالما بقي خطر هيمنة التشدد الاسلامي على سوريا قائما في حال ذهابه ( هذا متفق عليه دوليا وفقا لتفاهمات جنيف وفيينا وموسكو ) . الأسد مستمر طالما داعش وأخواتها أقوياء ، والتي لولا الضربات الجوية للتحالف الغربي لكانت اليوم تسيطر على ثلاث عواصم على الأقل في الشرق الأوسط … فسبب بقاء الأسد حتى الآن هو سلوك من يدعون خصومته ليس إلا … ( إعطونا مشروعا لا يهيمن عليه التطرف ونحن سندعم ونساعد على اسقاط النظام ) هذا ما سمعته من ديبلوماسيين غربيين ، ( لسنا أغبياء لندعم وصول القاعدة للسلطة في سوريا … قد يستمر الصراع والاستنزاف بين قوى التطرف المتقاتلة في سوريا حتى التوصل لحل سياسي يستبعد كلا الطرفين )

صحيح أن الروس والإيرانيين يقدمون له الدعم والسلاح ويقاتلون معه ، لكن ذلك يساعد على بقاء النظام الذي يرأسه فقط لأنهم غير قادرين عمليا على حمايته شخصيا ( حتى طائراتهم التي عزفت السيمفونية الرديئة في تدمر تسقط بظروف مشبوهة كرسائل تحذير ) ، عمليا يستطيع أي جهاز أمن متطور قتله بسهولة وسلاسة ، وقتله سيودي بالنظام الحاكم المتمحور حول شخصه بالطريقة التي صممها والده : الذي ترأس منظومة عصابات طائفية ومراكز قوى متكالبة أمسك هو بخيوط التلاعب بها . وجعلها من دونه ينفرط عقدها وتتصارع … كما حدث يوم فقد الوعي في خريف عام 1983 وفي عام 2000 عندما مات الأب قبل أن يكمل مهامه ، فخشي الغرب من صراع مراكز القوى فرتبوا عملية ( استنساخ أسد بديل ) أي عملية توريث سلسة لولده الضعيف بشار الذي حل محل باسل (الفارس الذهبي ) الذي كان قد سبقه للموت على طريق المطار بطريقة استخباراتية غامضة ، واعتبروا هذا الاستنساخ هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على الاستقرار في هكذا نظام متكلس يقال أنه جمهوري علماني ، كان يفترض أن يصبح نموذجا لبقية الجمهوريات العربية لولا الثورات عليها …

في حوار مع ديبلوماسي أمريكي في دمشق نهاية عام 2011 وكنت قد خرجت حديثا من السجن … قلت له : الحل السهل والرخيص الكلفة الذي ينقذ البلد هو اغتيال الأسد فورا وبدء سلسلة اجراءات باتجاه سلطة انتقالية ( طبعا كانوا في ذلك الوقت يحتفظون بعلاقات جديدة مع عدد من قيادات مراكز القوى في النظام ) وإلا فكل شيء ذاهب لفوضى عارمة ودمار غير محدود ، فالأسد قرر أن لا يسلم ولا يقدم تنازلات ، وسيذهب بخيار الحسم العسكري حتى النهاية كما أسمعني كبار مسؤولي الأمن عند إطلاق سراحي . ولديه من الأتباع والسلاح مايكفي لتدمير سوريا … طبعا حدث هذا بتحريض وتشجيع من حزب الله منذ خطاب الأسد الأول بعد مجزرة درعا .

أجاب الديبلوماسي : (هذا هو رأينا أيضا ، الذي نقلناه لواشنطن ، لكن المشكلة عندنا على ما يبدو أنه يوجد في البيت الأبيض محامي وليس رئيس دولة ، أنا أتابع وأتألم كل يوم لما يحدث لهذا البلد وهذا الشعب … )

باختصار الأسد مجرم قذر لا أحد يريد وضعه في حضنه ولا تحمل تبعات قذارته وإجرامه ، وبعد الذي جرى في سوريا لم يعد مؤهلا لتوقيع السلام مع اسرائيل (حتى من دون الجولان ) كما يحاول ، فالضمانة الاسرائيلية التي انقذته سابقا فقدها اليوم عندما صار دمية بيد ايران التي تشكل النسحة الشيعية لداعش ، هو موجود حتى الآن فقط لمنع وصول الجماعات الإسلامية السنية للسلطة ، وأي حل يضمن عدم وصولها سيودي بحياة الأسد تلقائيا … لذلك تجتمع دول الشرق والغرب على ضرب هذه المجموعات ، وتستمر في حماية الأسد خوفا منها، لكنها ستختلف فيما بينها بعد الانتهاء من تقويض ما تبقى من جبهات اسلامية … عندها يصبح بقاء الأسد رمزا لهيمنة وانتصار دولة أو محور ، فيصبح موته مصلحة مباشرة للمحور الثاني . وطالما أن كل الأمور تسير نحو انخراط الأسد في المحور الإيراني فسيقع تنفيذ الاغتيال على عاتق الروسي (إذا عقد صفقة مع الغرب ) ، أو على عاتق الغرب ذاته إذا استكمل الإيراني بدعم روسي مشروعه في سوريا …

الأسد شخص معدوم مع وقف التنفيذ ، والتنفيذ مرهون بطبيعة البديل المتوقع عنه ، و عندما تنتهي عملية القضاء على المنظمات الجهادية الخطرة (كما يسميها الغرب) و المتوقع أن تنجز هذا العام . سيوضع أمر الاغتيال في دوائر التنفيذ …

وقبل ذلك قد ينفذ جهاز أمن حزب الله عملية اغتيال مموهة للأسد إذا شعر أن الأسد قد قرر التواطؤ مع الروس والسير بصفقة مع الغرب (يتم الحديث عنها سرا ) تقضي بتعهد الروسي بخروج الإيراني مقابل الإبقاء على النظام … عندها سيموت الأسد بيد صديقه حسن ( الذي سبق له وقتل الكثيرين ممن يدعي صداقتهم ) سيقتله حزب الله عندها لخلط الأوراق وزيادة الفوضى التي تسمح له بالسيطرة المباشرة على مربعات أمنية كبيرة في سوريا التي ستتفكك بتفكك النظام مما يفقد الروسي كل امتيازاته ، ويفشل أي تفاهم غربي تركي معه ، كونه لا يملك شيئا على الأرض .

أو قد يضجر جهاز مخابرات متضرر من هيمنة إيران وروسيا اللتان تماطلان ، وتضربان عرض الحائط بمصالح بقية الدول ، فيقوم بتنفيذ العملية التي كما ذكرنا ستقوض كل الانتصار الروسي الوهمي . وقد يُسرّع تنفيذ هذه العملية احتمال نجاح الروسي بتقريب وجهات النظر ( الإيرانية والتركية ) ليحتكر الهيمنة على سوريا بمساعدتهما وهذا خط أحمر بالنسبة لبقية اللاعبين ، أقصد بالضبط انضمام تركيا وربيبها حزب الإخوان السني لمحور الممانعة وتشارك السلطة مع الأسد كما هو مخطط له أن يحدث في الأستانة بعد تفاهمات حلب ووقف النار .

كما ترون ورقة قتل الأسد رخيصة وسهلة لكنها رابحة كالجوكر ، قتله يحول سوريا لرمال متحركة ، لأنه اختصر الوطن وكل شيء بنفسه . إنها ورقة مغرية للجميع في كلا الطرفين الداعم والمعارض ، وأكثرهم ولعا بها جهاز الاستخبارات الروسي والإسرائيلي وحزب الله ( الذين مارسوا معه الصداقة لفترة طويلة) ، طبعا هذا غير الشعب السوري وذوي الضحايا (… و حتى لو أقيمت دولة علوية مستقلة بحماية روسية فإن العلويين أنفسهم لا يطيقون بقاءه بشبيحته رئيسا عليهم ) … نحن طبعا كنا نتمنى أن يحاكم على مليون جريمة قتل ارتكبها ، ولن يتخلى زوي الضحايا عن طلبهم للثأر من دونها … لكن الدول العظمى على ما يبدو ستسبقنا لتوقيت زمان ومكان موته الذي تأخر عن موعده بدخول عام 2017 .

خلال هذا العام أو العام القادم على أقصى حد ، أي عندما يحين موعد إعلان موت سوريا ، سيموت الولد لأن الأسد هو الرمز الوحيد المتبقي لوحدة البلاد ( كما تقول المعارضة الوطنية جدا القابعة في دمشق وموسكو وتشارك أيضا بالائتلاف وهيئة التفاوض ووفود الأستانة ) سيموت الأسد على أيدي استخبارات الدول العظمى التي أدارت الأحداث بهذا الاتجاه والتي تريد موت سوريا وتقسيمها منذ البداية ، (وربما كان هذا هو السبب الذي خفي عن الديبلوماسي الأمريكي العامل في الملف السوري يومها ) ….

حتما سيموت الأسد مع سوريا التي دمرها ، لأنه سبق له و اختار ذلك عندما أقسم على أن يكون آخر رئيس سوري بابتداعه شعار سوريا الأسد إلى الأبد …

د. كمال اللبواني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*