لماذا لجأت “قسد” إلى تأسيس حزب سياسي جديد في الجزيرة السورية؟

أثار تشكيل “حزب سياسي” حمل مسمى “سوريا المستقبل” في المناطق التي تسيطر عليها ميليشيا “قسد” الشكوك والتكهنات حول الظروف التي دفعت الميليشيا إلى الإعلان عن تأسيس هذا الحزب، لا سيما في هذه المرحلة من عمر الثورة السورية، وما يرافقها من تغيرات متسارعة في السياسة الدولية بما يتعلق بالشأن السوري.

وزاد في الشكوك حول حقيقة وغايات هذا “الحزب” الذي أعلن عن انعقاد مؤتمره التأسيسي في مدينة الرقة بتاريخ 27 من أذار الجاري ورفع شعار “سورية ديمقراطية تعددية لامركزية” عدم الاتيان على ذكر للثورة السورية في بيانه الختامي، والاستعاضة عنها بـ “الأزمة” و”انتفاضة الشعب السوري”.

كما أن تركيز البيان الختامي على “حل القضايا القومية” لا سيما “القضية الكردية” و”المحافظة على الهوية القومية” وتطرقه إلى “السعي لبناء علاقات مع دول الجوار لا سيما تركيا وتقديم ما يلزم لعودة المهجرين” أمر رأى فيه محللون إقرار بأن “الحزب واجهة سياسية” لميليشيا ارتكبت جرائم بحق بقية المكونات السورية، وأنه “ثوب سياسي” يأتي في إطار صفقة سياسية دولية لا أكثر.

صفقة سياسية

واعتبر (برهان كور أوغلو) المحلل السياسي التركي، أن تأسيس هذا “الحزب” في هذه الفترة على وجه الخصوص، يأتي في سياق كسب الفرص والتلحف بغطاء سياسي، مؤكداً أنه لا يوجد شراكة حقيقة من العرب وباقي المكونات الأخرى في الجزيرة السورية تربطها بهذه الميليشيات، قائلاً: “إذا لاحظنا أن الحاضرين اقتصروا على من هم من المناطق المسيطرة عليها هذه الميليشيات، وهذا دليل على أنه صفقة سياسية متماشية مع تأسيس (بي ي د)”.

ولا يستبعد المحلل السياسي التركي، أن تأتي هذه الخطوة في إطار الدعم السياسي المقدم لـ “قسد” من بعض الدول الكبرى، في إشارة إلى الدعم الفرنسي الأخير للميليشيا المذكورة وما أعلنه الرئيس الفرنسي مؤخراً من وساطة لإجراء حوار بين تركيا و”قسد”، ويذهب (كور أوغلو) إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن هذه “الحزب” يأتي أيضاً في سياق عقد صفقة مع نظام الأسد، من مبدأ أنهم في ميليشيا “قسد” لا يريدون إغلاق الباب على أنفسهم، على حد وصفه.

الانسحاب الأمريكي

وحول ما إذا كان إعلان تأسيس الحزب يأتي في سياق التخلي الأمريكي عن “قسد” وما أعلن عنه الرئيس الأمريكي من قرب انسحاب قوات بلاده من سوريا، قال المحلل السياسي التركي لأورينت نت: “هذا ليس مستغرب في السياسة الأمريكية المتضاربة بالأساس، ولكن يبدو أن هناك صفقة جديدة تخطط لها أمريكا، وربما تأتي في إطار المواجهة التركية مع أمريكان والتي لا تريدها لا سيما مع تركيا، وقد تكون في سياق نقل قضية قسد إلى فرنسا”.

ويشير (كور أوغلو) إلى تساؤل مهم بأنه “علينا أن نطرح سؤالاً، أنه في حال أراد ترامب الانسحاب، فكيف سيقوم بذلك؟ وهذا هو المهم، ولذا لا يمكن أن يكون في المستقبل القريب، وربما يأتي هذا الإعلان من ادراكهم أنه سيتورطون أكثر في الوحل السوري، خاصة مع الموقف التركي الثابت في محاربة الميليشيات الإرهابية وتأمين أمنها القومي في المنطقة”.

تكرار تجارب سابقة

ويذهب في هذا السياق (مضر الحماد) الكاتب الصحفي والمتحدث باسم مجلس العشائر والقبائل السورية في تركيا، بأن تأسيس الحزب الجديد ما هو إلا التفاف على قضية الشعب السوري وثورته، مشيراً إلى أن هذا “الحزب” يأتي في إطار محاولات التغيير المستمرة لـ “حزب العمال الكردستاني” والذي حاول “تغيير جلده” أكثر من مرة، فقد عمل تحت مسمى “العمال الكردستاني” في الحسكة، ولكن بعد اغتيال عدد من القيادات وعمليات الخطف في المنطقة تحول اسمه إلى ما يعرف بـ “وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة” وعلى خلفية ارتكاب مجازر مروعة في ريف الحسكة سعى لطمس هذه المجازر بتغيير اسمة مجددا فيما عُرف آنذاك بـ “جيش سوريا الديموقراطية”.

وحول حضور أكثر من 800 شخص للمؤتمر التأسيسي من كافة مكونات وأطياف الشعب السوري، وفقاً لإعلان “قسد”، أكد (الحمّاد) في حديثه لأورينت نت، أنه “ليس غريباً أن يحضر هؤلاء ما سموه مؤتمر تأسيسي، لأنهم أذرع للوحدات الكردية ومؤيدين لنظام الأسد والوحدات الكردية، بل إنهم عملوا معها على وأد الثورة السورية في تل المناطق” وهو ما نوه إليه المحلل السياس التركي بأن (إبراهيم القفطان) والذي تم تعيينه “رئيسا للحزب” أحد أعضاء حزب البعث وتم تعيينه في وقت سابق من قبل الوحدات الكردية رئيساً لما يسمي “المجلس المحلي” في منبج عقب سيطرة “قسد” على المدينة، كما أن “السكرتير العام للحزب” كان “رئيس اللجنة الاقتصادية” لما يسمى “كانتون الجزيرة” في الحسكة.

ووفقاً للمتحدث باسم مجلس العشائر والقبائل السورية، فإن إعلان التأسيس ناتج عن الظروف الدولية المعنية بالشأن السوري والأمر الواقع، وإنه “من أجل الإعلام” لا سيما بعدما بدأت تأخذ الجزيرة السورية حيزاً كبيراً من الصراعات الدولية والإقليمية، وما قد تفضي إليه التفاهمات مستقبلاً سيكون الخاسر الأكبر فيها “قسد”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*