ميشيل كيلو : لماذا تركت ” الائتلاف ” ؟

لا بد من قول بعض الجمل حول أسباب تركي الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في هذه اللحظات المهمة من المعركة الدائرة حول وطننا وداخله.

وكنت قد انتسبت إلى “الائتلاف” في ظرفٍ بدا معه أن دخول “كتلة ديمقراطية” قوية إليه سيمثل إضافة نوعية للعمل في سبيل الثورة السورية. حينها، كنت أعتقد أن علينا، كديمقراطيين، تدارك ما في الثورة من نواقص خطيرة، كافتقارها إلى قيادةٍ تعترف بها جميع أطرافها، وإلى خطةٍ استراتيجية، وبرامج تفصيلية تغطي سائر جوانبها، وخطط تتفيذية تحدّد وتوقّت مساراتها، وتلعب دورها في نقل أعمال “الائتلاف” وأنشطته من دورٍ يلحق بالأحداث إلى دور يستبقها ويوجهها إلى حيث تخدم الثورة، وتقوّض النظام الأسدي إلى جانب توحيد الجهود السياسية والعسكرية، وإخضاع الثانية منهما لما ترسمه القيادة السياسية من خطط، وتصدره من أوامر وتقرّه من برامج، وكذلك استعادة رهان الثورة على الحرية، من خلال عملٍ منظم يقاوم النزوع إلى العسكرة والطائفية والمذهبية، لدى النظام وبعض التنظيمات الجديدة، كالقاعدة و”داعش”، و”أحرار الشام” (قبل تحولهم نحو رؤية فيها عناصر وطنية)، والسعي إلى توطيد تماسك الحاضنة الاجتماعية المعادية للنظام، عبر سياساتٍ متكاملةٍ تشجعها على التمسك بحراكها اليومي والسلمي.

من أجل هذا البرنامج، كتبت ورقةً أقرّتها الهيئة السياسية (ولم ينفذ منها شيء) تتضمن رؤيتي لطرق إنجاز هذه المهام، قصدت بها دفع “الائتلاف” إلى وضعٍ يمكّنه من إحداث نقلةٍ نوعيةٍ في بنيته وسياساته، وتعزيز قدرته على ملاقاة التطورات والتحكم بها، طالبت فيها بإعطاء الأولوية في عمله للداخل باعتباره ساحة الحسم التي يتوقف نجاح الثورة وفشلها على تعبئتها وتنظيمها وربطها بالثورة التي كان جلياً أنها ستستمر فترة طويلة. وقلت إن الرهان على الخارج يبعد تضحيات السوريين عن هدفها: الحرية للشعب السوري الواحد، ويحولها إلى أداة تخدم تصفية حسابات متنوعة، تمارسها القوى الدولية عامة، وأميركا خصوصاً، من خلال سورية التي تتحوّل من مكان للثورة إلى ساحةٍ تدور فيها مختلف أنواع الصراعات والتدخلات التي لا تمت لها، أو لمطالب الشعب السوري بصلة. وأكدت على ضرورة بقاء “الائتلاف” مستقلاً، ومنتجَ عمل وقرارٍ وطني يواجه من خلاله الصراعات الإقليمية والدولية المتزايدة الانخراط في بلادنا، والتي أسهم ظهور التطرّف المسلح معها في الانزياح الجدّي الذي يأخذ بدوره الثورة إلى العسكرة والتطييف والتمذهب، ويتبع السياسي للبندقية عوض أن يخضع البندقية للسياسي، ويقوّض بصورة متزايدة قدرة “الائتلاف” على امتلاك تمثيل وطني مستقل يحترمه الآخرون، يقنع الأشقاء العرب والعالم بالخيار الديمقراطي، خياراً يضمن وحده أمنهم وسلامهم، ويرد عن سورية وعنهم مخاطر (وجرائم) الإرهاب، القاعدي والداعشي، ويؤسس البيئة السياسية الضرورية لإسقاط الأسد ونظامه. وفي هذا السياق، يجعله وضعه الذاتي رقماً صعباً يستحيل على الآخرين تحقيق مصالحهم في سورية، من دون تحقيق مطالبه، وفي مقدمتها تطبيق القرارات الدولية التي تدعو إلى الانتقال الديمقراطي الذي يأخذ سورية إلى الحرية والعدالة والمساواة والكرامة.

ومع أنني كتبت مجموعةً كبيرةً من الأوراق التي تعالج هذه القضايا، ووضعت برنامجاً تفصيلياً لإصلاح العمل الوطني، وليس “الائتلاف” وحده، فإن عائد جهودي كان محدوداً إلى أبعد حد، وضاع في التحزبات والخلافات والصراعات الانتخابية، والتدخلات الخارجية المتعدّدة الأطراف، بينما كان “الائتلاف” يبتعد أكثر فأكثر عن دوره المفترض قائداً للثورة، ويكتفي بصفته التمثيلية التي تقلصت، بمرور الوقت، إلى اتصالاتٍ خارجية، ازدادات تدنياً وهامشية، وعلاقات داخلية برّانية، أخذت دوماً صورة أحاديث مرسلة مع العسكر، لم تترتّب عليها أية نتائج عملية بالنسبة لنظرتهم إليه، أو إلى أنفسهم وأدوارهم. أما الأسباب فترجع إلى أن التنظيمات المسلحة الكبيرة لم تعترف به، وبمشروع الحرية الذي أعلن تبنيه، لكن إكراهاتٍ عمليةً ألزمته بمراعاة الواقع الميداني/ الداخلي الذي تسيطر هي، وليس هو، عليه. وبما أن معظم هذه التنظيمات كانت معادياً لمشروع الثورة الأصلي، أي للحرية، فقد أحجم “الائتلاف” عن مواجهتها، ومارس حيالها موقفاً جعل مشروعه الثوري كلامياً، وأرغمه على التساهل في تبنيه فعلياً وعملياً، وفي النضال من أجل انفراده بالساحة، مع أن الموقف منه كان وسيبقي الموقف من الثورة الذي يجب أن يوضع في مرتبةٍ أعلى من أية علاقة جزئية أو دنيا، يقيمها مع أية تنظيمات، فكيف إذا كانت إرهابية.

هذا الواقع الذي افتقر إلى قيادة وخطط وبرامج ثورية، واتسم بالتفكّك السياسي والعسكري، وخالطته نزعة إرهابية قوّضت طابعه الثوري الحر، بدا عصياً على أي إصلاح، ناهيك على التغيير، وأقنعني، منذ أعوام، أن دوري في “الائتلاف” لا يفي بالغرض الوطني الذي من أجله انتسبت إليه، وأن دخولى إليه تحوّل من فعل تغييري مزمع إلى واقع احتوائي مفروض ومرفوض، لكنني كنت أعد نفسي دوماً بجهة تفي بوعودها حول تطبيق برنامجٍ متفقٍّ عليه، وتشكيل فريق استشاري حول الهيئة الرئاسية يضفي شيئاً من المشاركة على أنشطتها وقراراتها، يغطي جميع أوجه الواقع السوري، بعد إعادة هيكلته بوصفها عملاً متخصصاً وخبيراً. وفي النهاية، كان لا بد من قرار، خصوصاً بعد اجتماع الهيئة العامة أخيراً، والذي طالبت فيه أغليية ساحقة من أعضاء “الائتلاف” برفع غطائه السياسي عن جبهة فتح الشام (جبهة النصرة)، لكن جهةً ما عطّلت إصدار القرار الذي اتخذ، الأمر الذي أثار لدي ولدى عدد كبير من الأعضاء الانطباع بأن هناك اليوم أكثر من ائتلاف، وأن الجهة التي تتخذ قراراته مطبخية وسرية، وما عداها لا حول له ولا طول، وإنها تمتلك من الآليات ما يمكّنها من فعل ما تريد. لذلك لن يكون البقاء في “الائتلاف” غير تغطية لأعمالها وقراراتها التي تتعارض مع قناعاتي، وليس من الإنصاف أن أتحمل مسؤوليتها، وخصوصاً في حالة جبهة النصرة، الجهة التي تتعارض أفعالها تعارضاً جذرياً من المصالح الوطنية والعليا للشعب السوري، ومع الثورة وقيمها، وتدمر فرص نجاحها، في واقع دولي يجد نفسه منذ أعوام أمام المفاضلة بين إرهابي يقتل شعبه هو المجرم بشار الأسد، وإرهابيين سيقتلون شعوب العالم كافة، إن أسقطوا حكمه. وقد اختار العالم الإرهابي الذي يقتل السوريين، لاعتقاد قادته (غير الصحيح طبعا) أن خياره هذا يحمي شعوبه. بما أن “الائتلاف” لم يفعل شيئاً ضد هؤلاء الإرهابيين الذين يخشاهم العالم، فقد بدا وكأنه يؤيدهم أو يناصر قضيتهم، وليس صادقاً في عزوه إرهابهم إلى النظام، وإلا لما أحجم عن التنصل منهم ومحاربتهم، ولما رفض، رفع غطائه السياسي عنهم.

واليوم، وقد بدأ الخط المتعسكر/ المتمذهب بالانهيار، وصار من الضروري أن نعمل كي لا يتحول سقوطه إلى سقوط للثورة، يكون على كل وطني محب للشعب العمل لاستئناف ثورته الأصلية كثورة حرية وكرامة لجميع السوريين، من دون أي استثناء. وبالنظر إلى أن “الائتلاف” رفض، بعد كارثة حلب، اتخاذ قرارٍ يدين “النصرة” بالإرهاب، ويتنصّل من أعمالها ويضعها خارج الثورة، فقد كان من الضروري أن أغادره لأشارك، من الآن، في الجهد الوطني الذي سيتركّز على استئناف ثورة الحرية للشعب السوري الواحد، ويتطلب نجاحه جعل المعركة ضد الإرهاب استراتيجية قائمة بذاتها، تحفز بنجاحاتها الحراك الثوري/ السلمي/ الوطني الذي سيقترن بما نراه من انفكاك قطاعاتٍ شعبية واسعة عن الإرهابيين وتنظيماتهم، وتوجه لدى شابات وشبان سورية نحو استعادة دورهم المفصلي في ثورة الحرية والكرامة التي صار إحياؤها مسألةً إنقاذية، من غير الجائز التساهل فيها أو تجاهلها. لو كان “الائتلاف” مؤهلاً للقيام بهذه المهمة، أو عازماً على الخروج من هامشيته الراهنة، عبر التصدّي لقيادة هذه المحاولة الإنقاذية، لكنت خادماً صغيراً له، لكنه لا يقوم بما يوحي أنه أدرك أهمية السانحة المتاحة، ويريد التصدّي لمهامها.

عندما أبلغت “الائتلاف” بانسحابي منه، تمنيت له النجاح، هذا ما أتمناه له اليوم أيضاً، وسأتمناه له دوماً.

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

ميشيل كيلو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*