كيف لا تكون معركة فاصلة ؟

قبل أسابيع قليلة كان ثمة من يتوعد موسكو وطهران والنظام في حلب، وثمة على الأقل أولئك الذين يعدون بصمود أسطوري، يفوق قدرة مقاتلين ومدنيين أنهكهم الحصار، وزاد عليهم قتال بعض الفصائل المحاصرة من وطأته وانسداد أفقه. اليوم ينتقل أصحاب الشعارات المجانية أنفسهم إلى التباكي على الأحياء الشرقية من حلب، وإلى اكتشاف قوة التدمير الهائلة لدى الخصوم، وأيضاً اكتشاف لامبالاة الحلفاء أو تخاذلهم. على أية حال، هذا التأرجح بين المفاخرة والتشكي ليس بجديد على ثقافتنا، فقد أتخمنا منه جميعاً عبر أنظمة كانت تتوعد “العدو”، ثم لا تتأخر في التشكي من ضعفها واستفراده بها، ومن ثم تعتبر هزيمتها نصراً. أليس هذا بحذافيره خطاب الممانعة؟

أيضاً التقليل من شأن الخسارات في صميم هذا الخطاب؛ حدث ذلك يوم احتلت القصير، وبعدها يبرود وحمص القديمة، مروراً ببلدات في الغوطة الشرقية وصولاً إلى داريا. إذ، مع كل خسارة، يقال أنها ليست نهاية المطاف، وأن العدو يعلي من القيمة الاستراتيجية لنصره، ما قد يضمر أن العدو يثمن الأرض أكثر مما يثمنها من يصرون على أنهم أصحابها. في أفضل القراءات يحيل هذا التقليل من حجم الخسارة إلى عدم الاعتراف بالواقع، وإلى عدم الاعتراف بعجز التكتيكات المتبعة إزاءه، وإلى الإصرار عليها حتى تُتوّج بهزيمة نكراء تبدأ معها حفلة اللطم والتظلم.

قد نضم إلى الملمح الأخير ذاك اليقين الدارج اليوم في خصوص عدم هزيمة الثورة رغم كل ما تعرضت له من انتكاسات، وهو يقين يبني على ثورات تأرجح خطها البياني هبوطاً وصعوداً قبل الانتصار، لكنه يتجاهل ثورات أخرى منيت بهزيمة تامة. هذا الركون إلى اليقين، ووضعه في مرتبة البديهيات، لا يختلف في جوهره عن إنكار الخسارة كلياً، فالثورات تبدو وفق منظوره مستمرة بقدرة دفع ذاتية لا رادّ لها، وكل ما يعتريها من انكسارات لا يقوّض جوهرها المنتصر، وتالياً لا تظهر الحاجة الماسة إلى مراجعة نقدية شاملة.

ربما هي حالة شاذة أن نرى ثورة تحقق أول أهدافها فتسقط النظام، لكنها لا تتمكن من الانتصار. وفي هذا أيضاً جانب يدعو إلى طمأنينة مخادعة، فأن يكون النظام قد سقط، وتولت قيادته الفعلية موسكو وطهران أمر لا يحجب وقوع الخسارة في الجانبين، ولا يمنح الثورة يقين الانتصار مستقبلاً، مثلما لا يعطي الأمل تلقائياً بوجود حرب تحرير شعبية وشيكة، بخاصة مع انتقال معسكر الموالاة تلقائياً إلى معسكر داعم لقوى الاحتلال الأجنبية، وامتلاكه وهم الانتصار بما يفوق اليقين الموجود لدى بعض أنصار الثورة.

وينبغي ألا ننسى تغير المناخ الدولي، خلال السنوات الست الأخيرة بما يدعم موقع حلفاء النظام. فرنسا مقبلة على الأرجح على رئيس لا يخفي إعجابه ببوتين، بخلاف الموقف التقليدي للحكومة الفرنسية منذ بدء الثورة، وكانت بريطانيا قد سبقت فرنسا بالتغيير فأتت حكومة منهمكة في استحقاق خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهما كما نعلم الدولتان الأكثر تحمساً في الغرب لتنحية بشار. على العموم، مجمل المتغيرات في المزاج الغربي لا يصب في صالح قضايا الحرية وحقوق الإنسان في العالم، وإذا كانت هذه طفرة عابرة لليمين الغربي المنكفئ فهي ستستغرق دورة انتخابية ينبغي التعاطي مع آثارها على مطالب السوريين، الآثار التي لا يستبعد أن تكون أسوأ من كل ما قيل سابقاً عن لامبالاة أو تخاذل المجتمع الدولي.

نظرياً، تبدو كل العوامل لغير صالح استمرار الثورة، أقله على النحو الذي شهدناه حتى الآن. ولن يوازن بعضاً من الرجحان المخيف لها سوى التخلص من العوامل التي راحت تقوّض الثورة من داخلها، وإعادة بناء القضية السورية بوضوح يوازي حق السوريين في الحرية بصفته لا يسقط بالتقادم، ولا يسقط أيضاً بتراكم الأخطاء والخطايا السابقين. بناء القضية السورية بهذا المعنى شأن سوري، لا يتداخل كما يحدث الآن مع أجندات أو مشاريع خارجية تقلل من أحقية السوريين، أو تجعلهم ملحقين بها. ذلك لا يعني بالطبع انعزال القضية السورية عن محيطها الإقليمي أو عن العالم، إنه يعني أولاً استرداد تمثيل الثورة من الوصايات الخارجية، ومعها استرداد المسألة الوطنية.

ليست مصادفة على الإطلاق أن تحظى تنظيمات خارجة بفكرها وممارستها عن النطاق الوطني بأفضل دعم خارجي، ولم تكن مصادفة أن تقوم بالإجهاز في كثير من الأحيان على الفصائل التي ترفع علم الثورة، على الرغم مما على الأخيرة من مآخذ أيضاً. وكما هو معلوم، سوريا برمتها ليست سوى تفصيل صغير ضمن قناعات أصحاب الجهاد العالمي، وإذا اتسم قسم منهم بعزم شديد على التضحية في الميدان فالعزم كان دائماً ينقص قياداتهم ومموليهم على التضحية من أجل مصلحة السوريين، وترك شؤونهم لهم. في مثال حلب أخيراً، كان يمكن لجبهة فتح الشام “النصرة” محاولة سحب الذرائع من الروسي والإعلان عن قبولها سحب مقاتليها “حوالي 700 مقاتل فقط” من الأحياء الشرقية لقاء إيقاف القصف، ومع القناعة بأن مثل هذه المبادرة لن تنقذ المدينة مما هو مدبر لها إلا أن تجاهل الذريعة الروسية كلياً له ما له من دلالات، مع التذكير بأن النصرة هي أكثر من عقد مقايضات مع طهران وحزب الله.

وعندما نتحدث عن بناء القضية السورية فذلك يعني الخروج من مرحلة الشعارات العمومية، مهما بلغ نبلها، لصالح بناء نظري أكثر وضوحاً وعمقاً. أيضاً، وعلى نحو شديد الأهمية، مأسسة عمل الهيئات الممثلة للقضية السورية، بحيث تكتسب مشروعية تمثيل القضية أولاً، ومشروعية احتكاره ثانياً، بدل الفوضى الحالية، وبدل بورصة “المنصات” والهيئات التي يدعي كل منها تمثيل الثورة، حتى إذا كان من شاتميها ومادحي النظام. ولعل أهم ما يجب التخلص منه مع طي صفحة الشعارات هي المراهنة على استجلاب العطف، واستثمار المظلومية السورية على نحو صار منفّراً أكثر منه جاذباً للتأييد. لا تكون هزائم الأشهر الأخيرة فاصلة إذا جرى الاعتراف بمقوماتها الذاتية أولاً، بدل فضيحة التذرع بقوة الأعداء كأنها كانت مفاجئة؛ لقد علّمنا حلف الممانعة أن من ينكر الهزائم لا يصنع نصراً سوى على شعبه.

عمر قدور

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*