كمال اللبواني

التحولات الاستراتيجية الكبرى في المنطقة وانعاكاساتها على القضية السورية

تتسارع الأحداث في المنطقة بعد الربيع العربي ، وتتغير معطيات التحليل الاستراتيجي بشكل دراماتيكي . تدخل دول ولاعبين وعناصر جديدة، وتتغير التحالفات الدولية والاصطفافات، وتتزايد التساؤلات عن توقعات المستقبل ، و يصبح فهم هذه التحولات ضروري للتخطيط السياسي عند كل مكون وطرف فاعل أو منفعل في المنطقة ، مما يستدعي مراجعة التحليلات السابقة ، فما كان يبدو صحيحا قبل عام قد يصبح خاطئا اليوم ……

لقد فشلت الدول القومية العربية في تشكيل كيان سياسي موحد ، ثم فشلت هي ذاتها كدول ، ولم تستطع الانتقال للديموقراطية والاستقرار بفعل الثورات التي تحولت لنوع من الحرب الأهلية ، كما فشل البديل الإسلامي المطروح بسبب الطابع الاستبدادي الترهيبي للأيديولوجيات الإسلامية السنية والشيعية على السواء . وعانت الدول الملكية التقليدية من عسرة التحول الديموقراطي لدرجة أصبحت تهددها بالفشل أيضا..

كما عجزت القومية الفارسية ثم النظام الإسلامي الشيعي عن تأمين الاستقرار والوحدة الداخلية والسلام والتعاون مع الخارج ، وصارت عنصرا لزعزعة الاستقرار في المنطقة ودخلت في سياسات قمع داخلي وصراعات عقيمة مع غيرها خارجيا.

وفشلت أيضا القومية التركية العلمانية في صهر مكونات مجتمعها على أساس قومي ، وفي الغاء دور الدين الذي عاد ليلعب دورا مميزا في تكوينها السياسي وهويتها ، وبذلك صارت تفتقر أيضا للاستقرار.

وظهرت القومية الكردية كلاعب جديد أساسي على الساحة يهدد بمجرد وجوده بانفراط عقد عدة دول في المنطقة.

وعادت روسيا لتلعب دورا عسكريا كبيرا مستغلة الانسحاب الغربي ، فارضة نوعا من الهيمنة والسيطرة على المنطقة ومواردها خاصة النفطية . روسيا كأداة عسكرية حليفة للصين التي تدخل في تنافس اقتصادي شرس مع الغرب اعتمدت ايران أداتها في تقليص النفوذ الغربي على منابع النفط في الشرق الأوسط.

وفشلت أيضا مراهنات إدارة أوباما على شراء ود ايران وسحبها لصف الغرب ولو كان ذلك على حساب الوجود العربي . واستغلت روسيا سياسة الاستنزاف التي اعتمدتها أمريكا في سوريا والتي كانت تهدف لاستنزاف قوى التشدد الإسلامي والشيعي ببعضهم ، فدخلت لكسر التوازن وهزيمة المنظمات الإسلامية السنية تحت شعار محاربة الإرهاب ، وفرضت انتصار محور إيران فيها ، والهيمنة على المنطقة بالتعاون معها ، مما يجبر الغرب على الانسحاب النهائي أو المواجهة العسكرية في ظرف تداعي حلفائه على الأرض…

واليوم تجري محاولات غربية كثيرة لتحييد روسيا في أي مواجهة مباشرة محتملة مع إيران التي تتوسع وتتمدد وتكاد تحكم قبضتها على الكثير من دول المنطقة ( العراق سوريا لبنان اليمن وبعض دول الخليج التي وقعت في حيرة بعد التراجع الأمريكي مثل البحرين وعمان وقطر ، وإلى حد ما الكويت والإمارات).

تلعب اسرائيل دورا محوريا في التصدي لتحول ايران لدولة عظمى في المنطقة، وفي تأمين تحالفات دولية قادرة على وضع حد للنفوذ الإيراني ، لكنها تصطدم بعقبات ثلاث أولا تمسك روسيا بحليفها الإيراني ومراوغتها ، وثانيا تلكؤ الدول العربية في اعلان تحالف معها بسبب القضية الفلسطينية ، وثالثا كسل الغرب وقلة حماسه وعجزه عن المبادرة ، وقد وجدت في تسعير القضية الكردية عنصر استراتيجي هام لتغيير التوازنات الراهنة ، خاصة بعد التقارب التركي الإيراني برعاية روسية ، والذي يشكل أكبر سند للمشروع الإيراني في المنطقة.

ضمن هذه التحولات الكبرى كان المستفيد الأكبر هو النظام السوري الذي وجد فرصة ثمينة لتثبيت نفسه بعد أن كادت ثورة الشعب أن تطيح به ، بينما الخاسر الأكبر كان الشعب السوري خصوصا والعرب عموما . وكل ذلك ما كان ليحدث لو اتبعت أمريكا في عهد أوباما استراتيجية مختلفة ، أي لو تابعت أمريكا سياستها التقليدية في الشرق الأوسط والتي عادت إليها في عهد ترامب لكن من دون فعالية بسبب المشاكل التي تعانيها تلك الإدارة.

مساعي إيجاد حل سياسي في سوريا حاليا تعكس هذا الخلل الكبير في التوازن الاستراتيجي لصالح النظام ، الذي لا يجد نفسه مجبرا على تقديم أي تنازل ، في حين تقدم المعارضة التنازلات تباعا دون أي جدوى . لذلك هذه المساعي لن تنتج سوى اعادة ترسيخ سلطة النظام وهيمنة روسيا وايران ، مع امكانية اشراك حليف سني رمزي هم الإخوان المسلمين الذين سارعوا لفتح خطوطهم مع الروس والإيرانيين وبدأوا بمغازلة النظام عبر وجوههم المتعددة والمتلونة تبعا لكل ظرف، مستفيدين من تحول موقف قطر وتركيا.

شروط التفاهم مع ايران هو الخضوع لمشروعها ، والذي يتناقض وجوديا مع الوجود العربي ، وشروط تحييد روسيا صعبة وتحتاج لمزيج من الضغوط والتطمينات ، أما شروط استعادة تركيا وقطر فهي أسهل وهذا يجب العمل عليه بقوة وجدية … أما قدرة مشروع عربي مستقل على تحقيق النصر فهي غير متوفرة ، لذلك لا بد من التحالف مع الكرد ، ومع الغرب ، والعنصر الأهم في تفعيل دور الغرب هو التوافق مع اسرائيل … وضمان المصالح الغربية، وبشكل خاص محاربة التشدد والإرهاب .

الهدف الأساسي لهذا الحلف هو وضع ضغوط مادية وعسكرية على إيران بحيث تنتهي باسقاط النظام الإيراني الذي لن يسقط من دون حرب خارجية يصعب اتخاذ قرار خوضها من دون تحالف قوي مع بعض دول المنطقة ، وكذلك حرب داخلية تعتمد على تغذية المعارضات الإيرانية بكافة فئاتها ، واستيعاب الشيعة العرب ضمن صيغة اتحادية.

أما على صعيد ثورة الشعب السوري فمن الهام ادراك أن الخارطة السياسية للدول غير مستقرة ، ولا يستهان بامكانية التقسيم بحسب نفوذ الدول . لذلك يجب اعتماد الصيغ الفيدرالية الرحبة للحفاظ على ما أمكن من أشكال الوحدة . ومن الضروري وضع حد لمسارات التفاوض والتثبت السياسي عند مطالب الثورة في اسقاط النظام ومحاكمته ، ورحيل الاحتلالات ، واقامة سوريا الديموقراطية ضمن صيغة جامعة لكل المكونات ، وهذا يتطلب وجود جسد سياسي ذو مصداقية غير الراهن . مع العمل على تفعيل عمليات اقامة ادارة ذاتية مسؤولة حيث يمكن. وتفعيل المقاومة المدنية والسياسية للنظام والاحتلال ، والتحول التدريجي لحرب العصابات ومنع استقرار سلطة النظام في كل المناطق . والخروج من سحر الشعارات القديمة والبحث عن تحالفات براغماتية تناسب المرحلة وتحقق قضية الإنسان السوري كهدف أساسي لكل سياسة.

 القضية السورية لم تحسم بعد ، والمنطقة تذهب نحو حرب اقليمية واسعة ، يبدو أن كل المساعي لتجنبها تتجه نحو الفشل ، قد تبدأ بحرب بين ايران والكرد في شمال العراق ، أو بين اسرائيل وايران في جنوب سوريا ، والتي لو بدأت فسوف تمتد وتتوسع ، وما سيترتب على تلك الحرب هو رسم خارطة سياسية جديدة مختلفة للمنطقة ، يمكنها أن تجد صيغ تحالف وتعاون مختلفة ، تغير جذريا الأرضية التي تقوم عليها النظم ، وتفتح الطريق نحو مستقبل مختلف … فسوريا بالرغم من صغرها النسبي هي تاريخيا مفتاح المنطقة وما يحدث فيها سيؤثر بشكل جذري على مستقبل الشرق الأوسط كله ، لذلك كان من الغباء السياسي عدم الاهتمام بمصيرها ، والذي ثمنه دخول الحرب المباشرة …

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*