ادارة الفوضى دوليا في سوريا.. من ثنائية “الاسد او الاسلاميين” الى ثنائية “الاسد او التقسيم”..

الاتفاق السوري لانهاء الحرب و حل الأزمة بات يحتاج لمعجزة و الاتفاق الدولي على سوريا بات يحتاج لمعجزة اكبر.بعدما كان الخيار امامنا “الاسلاميين ام الاسد”  يراد لنا من جديد  ثنائية بديلة  هي “التقسيم   ام الاسد”. و ما يسهل عليهم هذا الطرح هو انه لا احد من المتصارعين  بدمائنا قابل ان يتنازل و لو قليلا لسوريا، لامنها و لبقائها موحدة ، و الخيار لم يكن لحظة بيد السوريين لكي يقرروا هذا القرار او ذاك بل القرار تدول و اصبح الجميع مرهون للغير و النظام  قبل المعارضة منذ البداية، و لكن كان من  المفروض ان يكون هناك هامش  وطني بحد ادنى  سوري مشترك،  يربط مصالح  الاخرين مع المصالح السورية المشتركة كمكونات و كمواطنين و افراد كما هو الحال في كل الدول ، فرغم ان مسالة السيادة الوطنية مساحتها ضيقة جدا فيما يخص الدول الصغيرة و لا توجد دولة ذات قرارات  حرة و بمعزل عن التحولات الدولية الا ان كل الدول تلعب متوحدة داخليا لتوسيع مساحتها السيادية،  كل الدول التي لدى شعبها حد ادنى من  الوعي لهويته السياسية.

المصيبة السورية  تكمن بعدم الاتفاق داخليا بحد ادنى ضمن  هذا الهامش الضيق المتاح ،  حيث  لا وعي عام يرتقي بنا للتفكير بالمصلحة العامة المشتركة. فكل يريد مصلحة عليا على مقاس عشيرته و ابناء حارته فقط.

ها هي سوريا الان بلا نشيد وطني معبر عن كل ابنائها و  لكنها ما زالت اسمها سوريا، ها هي سوريا اليوم  بدون علم واحد موحد نعيش  تحته  بل  لها اعلام عديدة لمناطق  بحدود مبهمة .اما عن الهوية الثقافية فهي ليست في ازمة ابدا فكل يعي انتمائه اكثر من اللازم لدرجة الغاء الاخر  واضعا  الهوية السياسية  في ورطة .

من يحمل السلاح منهم يرفض النقاش و من يحمل السلاح منهم  معه فقط نحتاج للنقاش  :

فالنظام اول المسلحين ضد الشعب، ادخل نفسه بمأزق العنف  و فات الاوان الأن  لاي تراجع ممكن من قبله  و هو يعلم انه لن يسمح له دوليا بهذا التراجع ،لا علويا ساحليا داخليا، و لا اقليميا،  و ليس هناك من ضمانات بامكان اي سياسي سوري   ان يعطيه إياها  لكي يساعده على التنازل علما بأنه غير قابل لأي تنازل. هذا هو  الواقع  المرير   فكذلك اصحاب مشروع الدولة السنية  اي الثوار المسلحين  ليس بيدنا اقناعهم  عن التراجع عن مشروع الدولة السنية   و كذلك الحال فيما يخص كل المسلحين  في سوريا، كل منهم  له مشاريعه الخاصة و  بيده سلاح و لا  يسقط السلاح من يده الا  عندما يفقد الدعم و هذا ينطبق على الجميع سواء كان من مليشيات النظام ام من كتائب المعارضة ام غيرهم.

اما عن الدولة الاسلامية داعش فوجودها يخدم و يرضي كل هواة الفوضى في العالم دون استثناء انها ترضي بازدواجية مربكة حتى من تقاتل،  و هنا الحنكة الجهنمية بادارة الفوضى، فداعش ظاهريا مشروع الاسلاميين حيث بفضل تطرفها تظهر الاسلاميين الاخرين معتدلين مقارنة بها،  و لكن في العمق هي ليس هذا ما تنجزه فقط من مهام و  يجب ان نبحث عن المستفيدين من الفوضى و العداء الذي تحدثه  و كذلك علينا الاستفسار عن كل ما تقدمه داعش من مميزات تحتاجها كل الاطراف ليستمر النزاع، و ما هي المكتسبات التي حصل عليها البعض بحجة وجود داعش ؟ لا احد من المتصارعين لا ينعم بخيرها حاليا و اهم منجزات  داعش هو  حالة  اللاحل التي تفرضها. ..اللاحل يعني طبعا التقسيم.

فالخلافات بين الدول الكبيرة المتنازعة على سوريا كثيرة و غير منطقية  دائما و في اغلب الدول المتنفذة خطان ، خط يقف مع الحل السياسي و يجاملنا كشعب سوري اعزل،  و خط مخفي حتما لكنه يتوجه بجدية  نحو التقسيم لعدة دول دون ان يعلن عنه،  وهذا الخط الثاني يترافق مع دعم  للحل العسكري الفوضوي محاربا التفاوض او التنازل لاحد ، هذان الخطان المتوازيان متواجدان في كل الدول المعنية تقريبا  و هما  من يغذيان الارهاب بطريقة او باخرى.

بعد استفتاء صغير اجريناه في سوريا بين العسكريين او العاملين معهم من كل الاطراف ، عن امكانية فكرة التنازل للاخر  قليلا ،اجابونا  كل المتنازعين بذات العقلية اقصد كل من الاطراف المسلحة  على حدا:

” انا الاقوى و الاخر سيرضخ لي في النهاية …انا لست  معني  بارضاء أحد و لا حتى بابسط الامور  ، فهذا تنازل انا لست بحاجة له ، انا  المنتصر بدون شك  و معي سلاح و هناك من سيكمل بامدادي بالسلاح و عندي مصادري الضامنة للامداد مستقبلا ..”

هناك نقطة اساسية يجب ان نوضحها هروبا من اي التباس و هي انه  لا وزن لاي طرف سياسي في سوريا بدون داعم  عسكري له على الارض أوولي و كلاهما مرتبط ، و الدول و الهيئات العالمية بما فيها الامم المتحدة  تعامل كل معارض سوري سياسي على هذا الاساس فقط. و الاطراف السياسية  المدعومة على الارض بشكل مباشر او غير مباشر  لا تملك حرية القرار او التفاوض الحقيقي فهي لا تقود الارض بل العكس، الارض هي التي تقودها اي من يقاتلون، و بالتالي دورها تمثيلي في اي مكان تتواجد فيه ، وجودها مرهون برضا القادة العسكريين ، هذا الكلام ينطبق حتى على واجهة النظام  (الاسد) . الواقع يظهر لنا ان من يقود الجيوش حاليا ليس في نيته التفاوض  بل فقط الانتصار على الاخر و من يقود الجيوش المتصارعة سياسيا هو من  يسلح  و هو بالضرورة طرف خارجي استخباراتي أمني لدى الجميع دون استثناء بما فيهم النظام. من هنا ازمة تمثيل المعارضة، فالاغلبية الساحقة من المكون السني مثلا لا تملك سلاح و لكنها رهينة قرار من يملكون السلاح و يتعاملون ضمن الاجهزة الاستخباراتية كذلك الحال في الشارع العلوي و في الشارع الكوردي و حتى الداعشي.

ربما اصبح بامكاننا بالقريب ان  نتصور مشهد يجلس فيه وزراء خارجية  لدول يتفاوضون على مصيرنا النهائي  دون وجود لاي سياسي  سوري بينهم، و يوقعون  اتفاقيات سلام تخصنا لا قرار لنا فيها و لكننا سنكون  مقيدين بها. طبعا  هذا التصور الواقعي يعكس تضخم الشعور الاستعماري لدى بعض الدول او نموه لدى البعض الأخر و لكنه السبب العميق في تواجد ازمة الثقة في علاقاتنا السورية الداخلية فيما بيننا و لن يكون هذا السلوك  الخارجي فيه ضمانة للمستقبل المشترك قط .

في سوريا داخليا الشعب عموما  مهمش لابعد الدرجات و لكنه لم يفقد البوصلة ، بداخله وعي لعبثية الموقف و لكنه مقيد ، فلا النظام مقبول لديه  و لا احد ممن يحملون السلاح او يتصدرون الموقف بمال سياسي محترم لديه او  محل ثقة .هو يعلم انه لا مكان للفكر في مشاريع المدعومين فهم مجرد موظفين لمشاريع ما و من خلفهم عسكر و دول،  و بات يعلم المواطن السوري ان كل ما يعلنون عنه هو للتصدير الاعلامي فقط.

 طبعا يبدو هنا  التقسيم حل ما لحالة الحرب و القتل و العنف ،  فيه تفكير لحد ما بارواح البشر المقيمين على الارض  السورية ،  لكن هل المطلوب  ان يبدو لنا   الانتحار المريح للهوية السورية اكثر شعبية من الذبح اليومي الذي يعيشه المواطن؟ ما هو مؤكد هو ان   التقسيم  لن يكون  اختيار سوري و لكن هكذا سيقال لنا، و ان تم سيتم بارادة سورية مغيبة و مخدرة كما هي الان.

الحقيقة هي اننا لسنا قادرين ضمن هذا الكم الهائل من الانتهاكات ان نتوحد لدرجة  ايجاد  الارادة سورية و ليس مسموح لنا اصلا باي ارادة سورية. و في ظل هذا الاغتصاب لسوريتنا لربما يحق لنا ان نتسائل عما ان كانت مشاريعهم مجهزة مسبقا و نحن لم نفعل الا التوقيع  عليها من خلال مقاومتنا للتعذيب في سجون النظام و داعش، فالحقيقة انهم كان بمقدورهم ازالة النظام بدون هذه الحرب و كان بامكانهم منع وجود داعش او انهائها جديا و كان بمقدورهم ابعاد اي دعم مادي عن اي معارضة بالتمييز كما حصل و لكن  ما الحروب الحالية الا المبرر اللبق لتمرير المشروع التدميري لسوريا.

اما عن القضية الكوردية فهي لم تعد قابلة للانتحار مرة اخرى، هذا لا يجوز ان ننكره ،  و لكن الورقة الكوردية يتلاعب فيها الجميع على الجميع بدماء الكورد، لفتح باب التقسيم ، لربما لحد الان  الشارع الكوردي باغلبيته ما زال قابل للنقاش برحابة صدر حول موضوع الحل الوطني و لا يرفضون الكورد سوريتهم ان حفظت لهم الهوية الثقافية و المساواة السياسية غير منتقصة. لكن لا من محاور و الشعب مهمش و سجين.

لمى الأتاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*